ملكية الماء ونظام السقي في ورزازات

  1. مقدمة

تمثّل الموارد المائية في ورزازات أحد المفاتيح الأساسية لفهم تاريخ العمران وأنماط العيش التقليدية في المنطقة. فالماء، في بيئة جافة وشديدة التقلّبات المناخية، لم يكن مجرد عنصر طبيعي، بل كان محوراً لتنظيم اجتماعي واقتصادي دقيق، تحددت من خلاله آليات التملك، وقواعد الري، واستراتيجيات تدبير الأرض. ويُظهر تتبّع الوثائق المحلية وشهادات الرحّالة في القرون الماضية أنّ ندرة الماء كانت تُولّد تحديات مستمرة للسكان، وأن التفكير الجماعي في السقي وتوزيع الحصص كان جزءاً من صميم الحياة اليومية.

لقد أفرزت هذه الظروف نظاماً محكماً لتحديد ملكية الماء لسقي المزارع، سواء في شكل حصص زمنية أو حقوق متوارثة، كما نشأت أعراف صارمة تنظّم السقي، وتضبط مواعيده، وتحدّد مسؤوليات كل طرف. ولم تكن هذه الأعراف مجرد حلول عملية، بل كانت بنية اجتماعية متكاملة، تتدخل فيها الجماعة والوجهاء وممثلو القبائل، وتؤطرها قواعد ذات طابع عرفي وأخلاقي وديني معاً.

إنّ دراسة ملكية الماء ونظام السقي في ورزازات ليست محاولة لإحياء تراث تقني، بل هي مدخل لفهم كيفية بناء المجتمع المحلي لعلاقته مع الطبيعة، وكيف استطاع تحويل مورد محدود إلى منظومة تعاون، وضبط، وإنتاج استمر لقرون. ومن خلال تحليل هذه الأنماط التقليدية، يمكن إضاءة الكثير من ملامح التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة، وإبراز الدور الحاسم الذي لعبه الماء في تشكيل بنيتها العمرانية والثقافية.


  1. السياق الجغرافي والتاريخي لورزازات

تقع ورزازات ضمن مجال يتّسم بندرة الموارد المائية وتفاوتها الموسمي، حيث تشكّل الطبيعة شبه الجافة للمنطقة عاملاً محدداً لكل نشاط زراعي أو عمراني. وتقوم الدواوير والقصور في الغالب بمحاذاة الأودية ومجاري المياه الموسمية، إذ يتيح هذا الموقع الاستفادة من الفيضانات الدورية والعيون المحدودة التي تشكل المصدر الرئيس للماء. وتظهر في مناطق متعددة من ورزازات شبكات سقي قديمة تنطلق من مصادر صغيرة أو موسمية، وتتوزع على المزارع وفق نظام دقيق يسمح باستغلال كل قطرة ماء.

وتعتمد المنطقة على تنوّع في الموارد المائية:
عيون محلية قليلة التدفق، مجاري موسمية لوادي ورزازات، وسواقي محفورة بعناية لجرّ الماء عبر مسافات متفاوتة. وقد دفع هذا الوضع السكان تاريخياً إلى ابتكار أنظمة معقدة نسبياً لضبط مسار الماء وتوزيعه، وهي أنظمة تشترك في بعض مبادئها مع واحات الجنوب الشرقي، لكنها تحمل خصوصيات محلية ترتبط بطبيعة التضاريس وطريقة توطّن القصور والدواوير.

أما تاريخ السقي في ورزازات، فيكشف عن عملية تراكمية طويلة؛ إذ اتخذت السواقي أشكالاً مختلفة باختلاف الحقب والظروف المناخية. ومع الزمن برزت شبكة من المسالك المائية التي تكيفت مع الانحدارات الطبيعية والاحتياجات الزراعية، فكانت تُهيَّأ وتجدد تبعاً لمواسم الفيضانات ونضوب العيون. ويشير هذا التطور إلى أنّ نظام السقي لم يكن مجرد تقنية ثابتة، بل كان جزءاً من تاريخ اجتماعي يُعيد إنتاج نفسه بحسب الموارد المتاحة، وهو ما يظهر في استمرار بعض أسماء السواقي القديمة ووظائفها حتى اليوم.


  1. البنية الاجتماعية لملكية الماء وعلاقتها بالسواقي

أ- آليات توزيع الماء في ورزازات

لا تنفصل ملكية الماء في ورزازات عن البنية المادية للسواقي التي تجلبه إلى مزارع الدوار، فالساقية ليست مجرد مجرى مائي، بل إطار تنظيمي يربط بين الحقول التابعة للدوار، ويُجسّد في الوقت نفسه شبكة العلاقات التي تحدّد حقوق الانتفاع بالمورد. ومن خلال تتبّع السواقي المحلية يمكن ملاحظة أنّ الملكية المائية تتوزع غالباً على مقاطع محددة من الساقية أو على حصص زمنية داخلها، بحيث تصبح هذه المجاري وعاءً عملياً تُترجَم فيه الحقوق الموروثة والمكتسبة.

ب- البنية المادية للسواقي

من أهم أسماء السواقي الرّئيسيّة بمزارع زاوية سيدي عثمان توجد “تارگا ن سيداثمان” وتارگا هو إسم السّاقية بالأمازيغية، وقد سميت بذلك الإسم لأنها تمر بالقرب من ضريح سيدي عثمان. وتوجد “تارگا ن تمزّاوروت”، وربما سميت بذلك لكونها “تامزواروت” (الأولى) كونها من أوائل السواقي بمزارع زاوية سيدي عثمان ومن أقدمها. وهناك “تارگا ن البوصلان” وهي من أحدث السواقي المتواجدة في مزارع زاوية سيدي عثمان، حيث أنشأها الفرنسيون قرابة سنة 1936، وسميت بذلك الإسم نسبة لـ “pouzzolane”، وهو حجر أو طين بركاني يخلط بالإسمنت لكونها مادة مقاومة للماء، فعُرفت محليّا بإسم تارگا ن البوصلان، أو يطلق عليها أحيانا إسم “ترگا نورمّوي”، وأرمّوي هو النصراني بالأمازيغية..

تكشف أسماء السواقي في المجال الورزازي، كما في غيره من واحات الجنوب الشرقي، عن أبعاد اجتماعية وتاريخية واضحة؛ فكثيراً ما تُنسب الساقية إلى ضريح، أو موضعٍ معروف، أو فخذة قبلية، وهو ما يجعلها جزءاً من الذاكرة الجماعية أكثر من كونها مجرد تسمية تقنية. كما أن الساقية الواحدة قد تخدم مزارع عدّة دواوير ك “تارگا ن ترميكت”، ويُحدّد نصيب كل مساحة زراعية وفق حصص مضبوطة، فتظهر بذلك طبقات متداخلة للملكية: فردية، وعائلية، وجماعية.

وفي بعض الحالات تُقسَّم الساقية إلى أجزاء أو مقاطع تختلف أهميتها تبعاً لقربها من نقطة الجلب وقوة جريان الماء، وتُرتّب عليها حقوق مائية متفاوتة. وهذا يجعل شبكة السواقي فضاءً يعكس خريطة الملكيات المائية وتوازناتها داخل الدوار، بقدر ما يعكس كونها مجرد تقنية لجرّ الماء إلى الحقول.

ج- “أگّوگ”

تبدأ أغلب السواقي في ورزازات بمنشأة بسيطة تُعرف محلياً بإسم «أگّوگ»، وهو سدّ ترابي يُقام عرض مجرى الماء لرفع منسوبه، حتى يتمكن جزء منه من الانسياب داخل الساقية الرئيسية(إمي ن تارگا). ويُنشأ «أگّوگ» بطريقة جماعية، وقد يجرفه السيل فيُعاد بناؤه عند الحاجة، مما يعكس الطابع التعاوني للعمران الزراعي في المنطقة. ومن هذه النقطة تتشعّب الساقية نحو المزارع وفق انحدارات طبيعية محسوبة.

د- العقوبات والغرامات “أزّاين”

يحظى احترام الدور بقداسة عرفية، وأي تجاوز (مثل فتح الماء قبل الموعد أو تحويله خفية) يُعدّ اعتداءً على حقّ الجماعة. وفي العادة تُفرض غرامات مالية “أزّاين” أو عمل إضافي في صيانة الساقية “حدْ الصّايمْ”، وقد يحرم المخالف من حصته مؤقتاً، حسب نوع المخالفة وحدّتها.


  1. الشواهد والوثائق

يمثّل حضور الوثائق في تاريخ الماء بورزازات نافذة أساسية لفهم كيفية تنظيم الحقوق المائية عبر الزمن، سواء في مرحلة النظام العرفي التقليدي أو خلال المرحلة التي شهدت تدخلاً تقنياً وإدارياً. وعلى الرغم من ندرة الوثائق القديمة المرتبطة مباشرة ببيع الحصص المائية أو توريثها، فإن ما توفر من نصوص عدلية محلية ووثائق إدارية حديثة يقدّم صورة متكاملة عن تطور هذا النظام.

أ- وثيقة عدلية قديمة (سنة 1262 هـ / 1846 م)

من أهم الشواهد المتاحة وثيقة تعود إلى أواخر شعبان سنة 1262 هـ (1846م تقريباً)، وتتعلق بترخيص دائم لمرور ساقية “تمزّورت” التابعة لمزارع زاوية سيدي عثمان عبر فدان يملكه عبد الله بن علي اللحيان.

وقد تم عقد هذا الترخيص بين جماعة من آل زاوية سيدي عثمان: محمد بن إبراهيم، محمد بن علي، لحسين نيت شعيب، لحسن من بني ايت يشّو، وبين صاحب الأرض المذكور.

وتكشف هذه الوثيقة عن عناصر أساسية في فهم الملكية المائية والفائدة العامة لاستغلال هذا المورد الطبيعي بورزازات في القرن التاسع عشر، حيث منح العقد الجماعة حقاً مستمراً في مرور الساقية داخل ملك خاص، ونص العقد على أنها «تجري على طول الزمان» دون إمكانية إلغائها. ودفعت القبيلة لصاحب الأرض عشرين مثقالاً من الفضة مقابل هذا الحق، وهو ما يثبت أن الحقوق المائية كانت قابلة للبيع والترخيص وفق قواعد واضحة، كما تمت الإشارة إلى جواز إصلاح الساقية أو تحويل مجراها داخل حدود الفدان إذا فسدت أو انجرفت بفعل السيل، مما يدل على مرونة في تدبير حق الارتفاق. كما ذكرت الوثيقة حدود الفدان من الجهات الأربع، وأكدت أن باقي الأرض يبقى لصاحبها يتصرف فيه بالزرع والغرس دون اعتراض.

يُعتبر هذا النص من أقوى الأدلة على أن الساقية ليست مجرد منشأة تقنية، بل تحمل قيمة قانونية ومالية واجتماعية، وتؤسس في بعض الحالات لحقوق دائمة عابرة للملكية العقارية.

ب- الوثائق الإدارية الحديثة حول نظام السقي

توجد أيضاً وثائق تقنية وإدارية تعود إلى القرن العشرين، تُظهر تطوراً في تدبير الماء بعد إدخال منشآت هندسية حديثة. ومن أهمها:

تُظهر إحدى الوثائق الإدارية تقسيم الدواوير إلى مجموعات مرتبطة بشبكتي الري.

يتعلّق الأمر بسدّ تفلتوت، المشيّد سنة 1936 والواقع على بعد حوالي كيلومترين ونصف من موقع قصر تفلتوت، وتكشف هذه الوثيقة استمرار مبدأ “الدُّور” التقليدي داخل إطار إداري حديث، مع إعادة تنظيمه وفق جداول رسمية.

ذلك هو سدّ تفلتوت الذي بُني سنة 1936 من الحجر والخرسانة، ما جعله تطوراً واضحاً مقارنة بنظام “أگّوگ” الترابي التقليدي.

توضيح:

وظيفة منشأة سدّ تفلتوت ليست تعويضا لمنشآت «أگّوگ» التقليدية، حيث استمر اعتماد السواقي التقليدية إلى جانب المنشآت الحديثة.

ج- دلالة هذه الشواهد

تكشف الوثيقتان —العدلية القديمة والإدارية الحديثة— صورة متكاملة عن تاريخ الماء في ورزازات:

  • مرحلة تقليدية
    يقوم فيها الحقّ المائي على العرف، ويتم تثبيته عبر عقود شرعية، مثل عقد مرور ساقية “تمزّورت”.
  • مرحلة تحديث تدريجي
    تُنظّم فيها عمليات السقي في جداول رسمية، وتظهر منشآت هندسية حديثة تبنى بالإسمنت.
  • استمرار الثوابت
    رغم تدخل الإدارة، ظل منطق “الدُّور”، و“أگّوگ” حاضراً.

  1. خاتمة

يكشف تتبّع تاريخ الماء في ورزازات أنّ هذا المورد المحدود لم يكن مجرّد عنصر طبيعي، بل شكّل عبر القرون نظاماً اجتماعياً كاملاً، تقوم عليه علاقات الانتفاع، وتُبنى حوله الأعراف، وتتشكل ضمنه شبكات التعاون والتوازن بين الدواوير. فقد أفرزت الندرة منطقاً صارماً للملكية المائية، تُترجَم فيه الحصص الزمنية، وحقوق المرور، ومسارات السواقي إلى بنيات قانونية واجتماعية واقتصادية متداخلة.

وتظهر السواقي، سواء في مزارع زاوية سيدي عثمان أو في غيرها من مناطق ورزازات، بوصفها محور هذا النظام:
مجرى مائي من جهة، ومؤسسة اجتماعية من جهة أخرى، تحمل أسماءً لها جذور في الذاكرة المحلية، وتُجسّد عبر مقاطعها المتعددة درجات الملكية وشرعية الانتفاع. ويبرهن عقد سنة 1262 هـ لمرور ساقية “تمزّورت” على عمق هذا التنظيم ومرونته، إذ يثبت أنّ المجتمع المحلي كان قادراً على صياغة حقوق مائية دقيقة، دائمة، وملزمة، تضمن المصلحة المشتركة وتراعي حدود الملكيات الفردية.

كما تكشف الوثائق الإدارية الحديثة أنّ التحولات التقنية التي عرفها وادي ورزازات في القرن العشرين لم تُلغِ الأعراف العريقة، بل أضافت إليها طبقة من التنظيم الهندسي، مؤكدة بذلك قدرة النظام التقليدي على التكيّف دون أن يفقد جوهره. فمبدأ “الدُّور”، وحق الارتفاق، ووحدة الساقية ظلّ حاضراً، معلناً عن استمرارية عميقة في فهم الماء بوصفه مورداً جماعياً يتطلب تعاوناً دائماً.

ومن ثمّ، يتبيّن أنّ دراسة الماء في ورزازات ليست بحثاً في تقنيات الري فحسب، بل هي مدخل لفهم المجتمع، وهويته، وطرائق تعامله مع الندرة، وحدود التعاقد بين الفرد والجماعة. وتظل الوثائق المحلية، مهما كانت قليلة، مصدراً لا غنى عنه لإعادة بناء هذا التاريخ واستجلاء ملامحه، ودعوةً إلى مزيد من جمعه وتحقيقه قبل أن يضيع جزء من ذاكرة المنطقة وطرائقها الدقيقة في تدبير مواردها.

This Post Has 2 Comments

  1. Mohamed Ait Ichou

    موفق السي يوسف على ما تفضلت و كتبت، أضيف و أذكر أن ما أورده شارل دوفوكو بخصوص غنى مداشر ورزازات لم يكن وصفه و مراده سوى غناها المائي و جريان سواقيها الدائم و بالتالي رحابة مزارعها و وفرة منتوجها مقارنة بما رآه منذ نزوله بتلوات و أونيلا ثم ايت زينب.

    1. Youssef AIT CHAIB

      أشكرك على هذه المعلومة وعلى مشاركتك. الإضافة مفيدة وتوسّع زاوية النظر إلى ما ورد في وصف دوفوكو والمجال المائي بالمنطقة.

اترك تعليقاً