- مقدّمة
في قلب قرية زاوية سيدي عثمان، وعلى حافة المجال الذي كان يحتضن أكبر تجمّع أسبوعي في ورزازات قبل ظهور المدينة الحديثة، تقف بناية قديمة تُعرف باسم «أسداو»؛ أي المُتَّكأ.
يبدو تاريخ هذه البناية بسيطاً من الخارج، لكنه يكشف في العمق عن أدوار متعاقبة: من دارٍ للضيافة يستقبل فيها التجار والمسافرون، إلى فضاء نسوي خاصّ في عهد جميلة التركية إحدى زوجات الكلاوي، ثم بناية مهجورة بعد نقل السوق، قبل أن تستعيد حضورها بوظيفة جديدة كمتّكئ حين أصبح المصلّون يستندون إلى جدارها بين العصر والمغرب بعد فتح باب المسجد خارج سور القرية.
هذا المقال محاولة لإعادة بناء سيرة هذه البناية التي شكّلت، لأكثر من ثلاثة قرون، جزءاً من ذاكرة الزاوية وسوق خميس سيدي عثمان.
- موقع البناية وطبيعته

تقوم البناية على ارتفاع ملحوظ مقارنة بسور زاوية سيدي عثمان، وتمتاز بعنصر معماري غير مألوف: بابها خارج السور، أي إنّ الدخول إليها لا يمر عبر المجال الداخلي للقرية.
هذا الوضع لا يمكن فهمه إلا بالعودة إلى وظيفتها الأولى:
فالبناية كانت نقطة استقبال للغرباء والتجّار، منفصلة عن الحميمية الداخلية للزاوية، لكنها في الوقت نفسه تحت حمايتها الروحية والعرفية.
ويمتد أمامها فضاء واسع من جهة الشرق، حيث كان يُقام سوق خميس سيدي عثمان على مسافة تتراوح بين 150 و200 متر. هذا الموقع جعلها المكان الأنسب للمبيت، وتحضير السلع، واستقبال القوافل القادمة من مراكش ودرعة ودادس وتازناخت.
- أسداو كدار ضيافة للتجّار والقادمين إلى السوق

كان سوق خميس سيدي عثمان قبل نشوء مدينة ورزازات هو السوق الأكبر في المنطقة كلها. وكانت القوافل تتقاطر إليه من جهات شتى:
من درعة، دادس، تازناخت، أيت واوزگيت، ومن مرتفعات الرحّل، إضافة إلى التجار الوافدين من مراكش.
ولذلك ظهرت الحاجة إلى مكان آمن يصلح للمبيت والتخزين. وهنا برز دور البناية: دار ضيافة قريبة من السوق، وفي حماية الزاوية، تُستخدم للاستراحة، وإعداد البضائع، وتجميع الناس قبل بدء حركة البيع في فجر الخميس.
وقد استمرت هذه الوظيفة إلى بدايات القرن العشرين، إلى أن نُقل السوق إلى مركز المدينة الجديد الذي أنشأته الإدارة الفرنسية.
- مرحلة الكلاوي: استيلاء وتحويل الوظائف (بعد 1874)
مع دخول القائد الكلاوي إلى ورزازات حوالي 1874م، واستيلائه على مراكز السلطة الثلاث: تفلتوت – تاوريرت – تلماسلا، امتدّ النفوذ أيضاً إلى البناية.
خصّصها الكلاوي لاحقاً لزوجته المعروفة محلياً باسم لالة جميلة التركية.

وبدخولها هذا السياق الجديد، تغيّرت وظيفة البناية بالكامل: لتصبح فضاءً نسوياً مغلقاً يُقام فيه تجمع للنساء، حيث كانت نساء القرية والزائرات يترددن عليها في المناسبات، وأُوكلت شؤون العناية بالبناية إلى خادم يُعرف بـ بن قاسي.
ومع مرور الوقت، صار الناس ينسبون البناية إلى لالة جميلة التركية، رغم أنّ أصلها كان مرتبطاً بالزاوية والسوق.
- تراجع دور البناية بعد نقل السوق (1929 وما بعده)

عندما دخلت الحماية الفرنسية إلى ورزازات بين 1927 و1929، تغيّر التنظيم الترابي جذرياً.
فقد نُقل السوق القديم من محيط الزاوية إلى مركز ورزازات الجديد، حيث شُيّد مكتب الشؤون الأهلية، والطريق، والبنايات الإدارية.
هذا القرار أنهى الدور الأساسي للبناية: فلم يعد التجار يقصدون السوق القديم، وتوقفت حركة مرور القوافل بجوار البناية، وتلاشى نشاطها الاجتماعي تدريجياً. فبقيت بعد ذلك شبه مهجورة، يديرها خادم لالة جميلة التركية دون وظيفة تذكر.
- من بناية مهجورة إلى «أسداو»
ظلّت البناية في حالة خمول حتى حدث تحوّل بسيط لكنه كان كافياً لإحيائها معنوياً:
فتح باب مسجد زاوية سيدي عثمان خارج سور القرية.
بعد هذه الخطوة، اعتاد المصلّون عند خروجهم من صلاة العصر أن يستندوا إلى جدار البناية، ويبقوا هناك إلى ما قبل صلاة المغرب. وتحوّل هذا السلوك إلى عادة يومية، حتى صار المكان يُعرف باسم:
«أسداو» = المتَّكأ
وهكذا اكتسبت البناية اسمها الجديد من وظيفتها الاجتماعية المتأخرة، لا من أدوارها الأولى.
- خاتمة
ليست بناية «أسداو» (أو تِغْرمت ن بنقاسي كما يسميها البعض) مجرد جدران قديمة، بل هي طبقات من تاريخ ورزازات قبل أن تُبنى المدينة الحديثة.
إنها شاهد على سوق خميس سيدي عثمان حين كان القلب الاقتصادي النّابض للمنطقة. فقد لعبت دورا في الضيافة وحماية الحركة التجارية. ليهيمن عليها الكلاوي في أواخر القرن 19 وبدايات القرن 20. ثم اختفى دورها تماما بعد التحوّل الإداري الفرنسي الذي نقل مركز النشاط إلى المدينة الجديدة. ثم جاء التحوّل الاجتماعي الذي أعاد للبناية وظيفة رمزية كـ«متكّأ» للمصلّين.
إنها بناية قد تبدو بسيطة، لكن تاريخها يلخّص ثلاثة عصور:
عصر الزاوية، عصر الكلاوي، وعصر الإدارة الفرنسية.
وحين نراها اليوم، ندرك أن كل حجر فيها، يحمل قصة من قصص ورزازات عامة، وسوق خميس سيدي عثمان وتاريخها خاصة.
